القاضي عبد الجبار الهمذاني
79
المغني في أبواب التوحيد والعدل
حظه في النظر . وسقط بهذه الجملة ما يقولون من أن كل واحد من اليهود لما كان كافرا ، فكذلك جميعهم ، وكل واحد من الزنج لما كان أسود ، فكذلك جميعهم ، إلى غير ذلك ، لأنا قد بينا الفرق بين طريقة الإثبات ، وطريقة التجويز . ويبين الفرق بينهما أن التجويز يرجع إلينا لا إليهم ، والإثبات يرجع إليهم ، فلو قلنا بإثبات العصمة لكل واحد دون الجميع ، لانتقض في المعلوم وفي الاعتقاد ، وليس كذلك في التجويز ؛ لأنه لا يتناقض أن يشك في حالهم إذا قالوا من غير اجتماع عليه ، ولا نشك إذا قالوا على جهة الاجتماع ، لأن إحدى الحالتين غير الأخرى . فلا يمتنع أن يفرق الدليل بينهما . وبطل بذلك / ما يتعلق به بعضهم من أن كل واحد من الرسل لما لم يجز عليه الخطأ فكذلك الجميع ، وكل واحد من أمم الأنبياء لما جاز عليه الخطأ ، فكذلك الجميع ؛ لأنا لم نقل : إن حال الجميع يفارق حال كل واحد في كل أمر ، ولا قلنا : إن كل ما نجوزه في الآحاد لا نجوزه في الجميع ، فجعلنا الأول من باب ما لا يصح خلافه ، وجعلنا الثاني موقوفا على الدلالة ، فإذا ثبت في كل رسول أنه من باب ما لا يصح خلافه ، وجعلنا الثاني موقوفا على الدلالة ، فإذا ثبت في كل رسول أنه لا يخطئ وجب مثله في الجميع ؛ لأنا جميع الرسل هم الآحاد ؛ وهذا من باب الإثبات ، ولو ثبت في أمم الأنبياء بالدليل ما ثبت في أمتنا كان لا يمتنع أن لا يفرق بين البعض والجميع ؛ لأنا نتبع الدليل في ذلك ، وإنما الغرض بما أوردناه إبطال التوصل إلى القدح في الإجماع من جهة العقل على ما يسلكه القوم ، فأما الكلام في إثباته فموقوف على السمع . وقد دللنا من قبل على صحة الإجماع وأنه لا يعدل عنه . فإذا صح كونه حجة ، فمن أين أنه لا بد من إمام معصوم ، وإنما توصلوا إلى إثباته بإبطال الإجماع وقد صح ، فإذن يجب إبطال معصوم للعلة التي ذكروها ، ولا يمتنع إثبات معصوم لغير هذه العلة ؛ لأنه لا يمتنع أن تكون الأمة فيما تجمع عليه